ابن أبي الحديد
256
شرح نهج البلاغة
بدأ هو ، وإن هجهج ( 1 ) أقدم ، وإني قد قاتلتهم وبلوتهم ، فإذا أصحرت لهم انتصفوا منى ، وكان لهم الفضل على ، وإذا خندقت أو قاتلت في مضيق نلت منهم ما أحب ، وكانت لي عليهم ، فلا تلقهم وأنت تستطيع إلا وأنت في تعبية أو خندق ، ثم ودعه ، وقال له : هذه فرسي الفسيفساء خذها فيها لا تجاري ، فأخذها ثم خرج بالناس نحو شبيب ، فلما دنا منه ارتفع شبيب عنه إلى دقوقاء وشهرزور ، فخرج عبد الرحمن في طلبه ، حتى إذا كان على تخوم تلك الأرض أقام ، وقال : إنما هو في أرض الموصل ، فليقاتل أمير الموصل وأهلها عن بلادهم أو فليدعوا . وبلغ ذلك الحجاج ، فكتب إليه : أما بعد فاطلب شبيبا واسلك في أثره ( 2 ) أين سلك حتى تدركه فتقتله أو تنفيه عن الأرض ، فإنما السلطان سلطان أمير المؤمنين ، والجند جنده . والسلام . فلما قرأ عبد الرحمن كتاب الحجاج خرج في طلب شبيب ، فكان شبيب يدعه ، حتى إذا دنا منه ليبيته فيجده قد خندق وحذر ، فيمضى ويتركه ، فيتبعه عبد الرحمن فإذا بلغ شبيبا أنه قد تحمل وسار يطلبه كر في الخيل نحوه ، فإذا انتهى إليه وجده قد صف خيله ورجالته المرامية ، فلا يصيب له غرة ولا غفلة ( 3 ) ، فيمضى ويدعه . ولما رأى شبيب أنه لا يصيب غرته ، ولا يصل إليه ، صار يخرج كلما دنا منه عبد الرحمن ، حتى ينزل على مسيرة عشرين فرسخا ، ثم يقيم في أرض غليظة وعرة ، فيجئ عبد الرحمن في ثقله وخيله ، حتى إذا دنا من شبيب ارتحل ، فسار عشرين أو خمسة عشر فرسخا ، فنزل منزلا غليظا خشنا ، ثم يقيم حتى يبلغ عبد الرحمن ذلك المنزل ، ثم يرتحل ، فعذب العسكر ، وشق عليهم ، وأحفى دوابهم ، ولقوا منه كل بلاء .
--> ( 1 ) هجهج : صيح به . ( 2 ) ج : ( واسلك أينما سلك ) . ( 3 ) الطبري : ( ولا له علة ) .